-->

قصة سيدنا موسى والخضر علیھما السلام

                                                               قصص القرآن            
                                      للإمام ابن الحافظ ابن كثیر

                             قصة موسى والخضر علیھما السلام

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِأَوْ أَمْضِيَ حُقُباً، فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَیْنِھِمَا نَسِیَا حُوتَھُمَا فَاتَّخَذَ سَبِیلَهُ فِيالْبَحْرِ سَرَباً، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِینَا مِنْ سَفَرِنَا ھَذَا نَصَباً،قَالَ 
أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِیتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِي إِلاَّالشَّیْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِیلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّاعَلَى آثَارِھِمَا قَصَصاً، فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَیْنَاهُ رَحْمَةً مِنْعِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُمِنْ لَدُنَّا عِلْماً، قَالَ لَهُ مُوسَى ھَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَرُشْداً، قَالَ إِنَّكَ لَنْتَسْتَطِیعَ مَعِي صَبْراً، وَكَیْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِخُبْراً، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً، قَالَ فَإِنْاتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَارَكِبَا فِي السَّفِینَةِ خَرَقَھَا، قَالَ أَخَرَقْتَھَا لِتُغْرِقَ أَھْلَھَا لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً إِمْراً،
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِي صَبْراً، قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِیتُ وَلاتُرْھِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِیَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَنَفْساً زَكِیَّةً بِغَیْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً نُكْراً، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْتَسْتَطِیعَ مَعِي صَبْراً، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَھَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْبَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَیَا أَھْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَھْلَھَا فَأَبَوْاأَنْ يُضَیِّفُوھُمَا فَوَجَدَا فِیھَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّفَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَعَلَیْهِ أَجْراً، قَالَ ھَذَا فِرَاقُ بَیْنِي وَبَیْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ   مَالَمْ تَسْتَطِعْ عَلَیْهِصَبْراً،أَمَّاالسَّفِینَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِینَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِیبَھَاوَكَانَ وَرَاءَھُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصْباً، وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُى مُؤْمِنَیْنِ فَخَشِینَا أَنْ يُرْھِقَھُمَا طُغْیَاناً  وَكُفْراً، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَھُمَا رَبُّھُمَا خَیْراً مِنْهُ زَكَاةًوَأَقْرَبَ رُحْماً، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَیْنِ يَتِیمَیْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌلَھُمَا وَكَانَ أَبُوھُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّھُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَھُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَیْهِ صَبْراً}. قال بعض أھل الكتاب: إن موسى ھذا الذي رحل إلى الخضر ھو موسى بن منسا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراھیم الخلیل، وتابعھم على ذلك بعض من يأخذ من صحفھم، وينقل عن كتبھم، منھم نوف، بن فضالة الحمیري الشامي البكالي. ويقال إنه دمشقي، وكانت أمه زوجة كعب الأحبار. والصحیح الذي دل علیه ظاھر سیاق القرآن ونص الحديث الصحیح الصريح. المتفق علیه: أنه موسى ابن عمران صاحب بني إسرائیل. قال البخاري: حدثنا الحمیدي، حدثنا سفیان، حدثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني سعید بن جبیر قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر لیسھو موسى صاحب بني إسرائیل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله. حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله علیه وسلم يقول: "إن موسى ھام خطیباً في بني إسرائیل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله علیه إذ لم يرد العلم إلیه، فأوحى إلیه: إن لي عبداً بمجمع البحرين ھو أعلم منك. قال موسى: يا رب فكیف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحیثما فقدت الحوت فھو ثمَّ، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتیا الصخرة وضعا رؤوسھما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر، واتخذ سبیله في البحر سرباً. وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار علیه مثل الطاق فلما استیقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقیة يومھما ولیلتھما. حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِینَا مِنْ سَفَرِنَا ھَذَا نَصَباً} قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذيأمره الله به، فقال له فتاه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِیتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِي إِلاَّ الشَّیْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِیلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً}. قال:فكان للحوت سرباً. ولموسى ولفتاه عجباً. فقال له موسى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِھِمَا قَصَصً}. قال: فرجعا يقصان آثارھما حتى انتھیا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلَّم علیه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائیل؟ قال: نعم، أتیتك لتعلمني مما علمت رشداً {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِي صَبْراً}. يا موسى إني على علم من علم الله علمنیه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. فقال موسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً}.فقال له الخضر: {فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً، فَانطَلَقَا}. يمشیان على ساحر البحر، فمرت بھما سفینة فكلموھم أن يحملوھم، فعرفوا الخضر فحملوھم بغیر نول فلما ركبا في السفینة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفینة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغیر نول، عمدت إلى سفینتھم فخرقتھا {لِتُغْرِقَ أَھْلَھَا لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً إِمْراً، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِي صَبْراً، قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِیتُ وَلا تُرْھِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً}. قال: وقال رسول الله صلى الله علیه وسلم : فكانت الأولى من موسى نسیاناً. قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفینة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص ھذا العصفور بمنقاره من ھذا البحر! ثم خرجا من السفینة، فبینما ھما يمشیان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بیده فاقتلعه بیده فقتله، فقال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِیَّةً بِغَیْرِ نَفْسٍلَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً نُكْراً، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِي صَبْراً}. قال: وھذه أشد من الأولى {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَھَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً}. {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَیَا أَھْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَھْلَھَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَیِّفُوھُمَا فَوَجَدَا فِیھَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ}. قال: مائل. فقام الخضر {فَأَقَامَهُ} بیده. فقال موسى: قوم أتیناھم فلم يطعمونا ولم يضیفونا {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَیْهِ أَجْراً، قَالَ ھَذَا فِرَاقُ بَیْنِي وَبَیْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ}. إلى قوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَیْهِ صَبْراً}. فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم:"وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علینا من خبرھما". قال سعید بن جبیر: فكان ابن عباس يقرأ: "وكان أمامھم ملك يأخذ كل سفینة صالحة غصباً" وكان يقرأ: "وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنین". ثم رواه البخاري أيضاً عن قتیبة عن سفیان بن عیینة بإسناده نحوه. وفیه: "فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعھما الحوت حتى انتھیا إلى الصخرة فنزلا عندھا، قال: فوضع موسى رأسه فنام". قال سفیان: وفي حديث غیر عمرو قال: وفي أصل الصخرة عین يقال لھا الحیاة، لا يصیب من مائھا شيء إلا حیي، فأصاب الحوت من ماء تلك العین، قال: فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر، فلما استیقظ {قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِینَا}. الآية. وساق الحديث. وقال: ووقع عصفور على حرف السفینة فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمسھذا العصفور منقاره، وذكر تمام الحديث. وقال البخاري: حدثنا إبراھیم بن موسى، حدثنا ھشام بن يوسف: أنابن جريج أخبرھم، قال أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار، عن سعید بن جبیر، يزيد أحدھما على صاحبه، وغیرھما قد سمعته يحدثه عن سعید بن جبیر قال: إنا لَعند ابن عباس في بیته إذ قال: سلوني. فقلت: أي أبا عباس - جعلني الله فداك - بالكوفة رجل قاص يقال له نوف، يزعم أنه لیس بموسى بني إسرائیل. أما عمرو فقال لي، قال: قد كذب عدو الله. وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم : موسى رسول الله قال ذكر الناس يوماً حتى إذا فاضت العیون، ورقت القلوب ولَّى، فأدركه رجل فقال: أي رسولالله! ھل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله علیه إذ لم يرد العلم إلى الله، قیل بلى. قال أي رب فأين؟ قال بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علماً أعلم ذلك به. قال لي عمرو: قال حیث يفارقك الحوت، وقال لي يعلى: قال: خذ نوناً میتاً حیث ينفخ فیه الروح. فأخذ حوتاً فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحیث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كثیراً، فذلك قوله جل ذكره {وَإِذْ قَالَ مُوسَى
لِفَتَاهُ}. يوشع بن نون، لیسعن سعید بن جبیر، قال بینما ھو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه لا أوقظه، حتى إذا استیقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر، قال لي عمرو: ھكذا، كأن أثره في حجر وحلق بین إبھامیه واللتین تلیانھما. {لَقَدْ لَقِینَا مِنْ سَفَرِنَا ھَذَا نَصَباً}. قال: قد قطع الله عنك النصب لیست ھذه عن سعید. أخبره فرجعا فوجدا خضراً - قال لي عثمان بن أبي سلیمان - على طْنِفسة خضراء على كبد البحر، قال سعید بن جبیر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجلیه، وطرفه تحت رأسه، فسلم علیه موسى فكشف عن وجھه، وقال: ھل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائیل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمترشداً، قال: أما يكفیك أن التوراة بیديك، وأن الوحي يأتیك؟ يا موسى إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه. فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله كما أخذ ھذا الطائر بمنقاره من البحر.{حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِینَةِ}. وجد معابر صغاراً تحمل أھل ھذا الساحل إلى أھل ھذا الساحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد الله الصالح. قال فقلنا لسعید: خضر؟ قال: نعم. لا نحمله بأجر، فخرقھا ووتد فیھا وتداً "قال" موسى: {أَخَرَقْتَھَا لِتُغْرِقَ أَھْلَھَا لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً إِمْراً}. وقال مجاھد: منكراً. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِي صَبْراً}. كانت الأولى نسیاناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً {قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِیتُ وَلا تُرْھِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِیَا غُلاماً فَقَتَلَهُ}. قال يعلى قال سعید: وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه، ثم ذبحه بالسكین {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِیَّةً بِغَیْرِ نَفْسٍ}. لم تعمل بالخبیث. وكان ابن عباس قرأھا: زكیة زاكیة مسلمة، كقولك غلاماً زكیاً. {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَیَا أَھْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَھْلَھَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَیِّفُوھُمَا فَوَجَدَا فِیھَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}. قال سعید بیده ھكذا، ورفع يدهفاستقام. قال يعلى: حسبت أن سعیداً قال: فمسحه بیده فاستقام {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَیْهِ أَجْراً}. قال سعید: أجراً نأكله.{وَكَانَ وَرَاءَھُمْ}. وكان أمامھم، قرأھا ابن عباس: أمامھم ملك يزعمون عن غیر سعید أنه "ھدد من بدد" والغلام المقتول اسمه يزعمون "جیسور" {مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصْباً} فأردت إذا ھي مرت به أن يدعھا لعیبھا، فإذا جاوزوا أصلحوھا فانتفعوا بھا. ومنھم من يقول: سدوھا بقارورة، ومنھم من يقول بالقار. {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَیْنِ}. وكان كافراً {فَخَشِینَا أَنْ يُرْھِقَھُمَا طُغْیَاناً وَكُفْراً}.أي يحملھما حبه على أن يتابعاه على دينه {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَھُمَا رَبُّھُمَا خَیْراً مِنْهُ زَكَاةً}. لقوله: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِیَّةً}. {وَأَقْرَبَ رُحْماً} ھما بھا أرحم منھما بالأول الذي قتل خضر. وزعم غیر سعید بن جبیر أنھما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال من غیر واحد إنھا جارية وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن سعید بن جبیر عن ابن عبا س قال: خطب موسى بني إسرائیل، فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقي ھذا الرجل، فذكر نحو ما تقدم. وھكذا رواه محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عیینة، عن سعید بن جبیر، عن ابن عباس، عنأبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله علیه وسلم كنحو ما تقدم أيضاً.ورواه العوفي عنه موقوفاً. وقال الزھري عن عبید الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس: أنه تمارى ھو والحر بن قیسبن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس ھو خضر، فمر بھما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي ھذا في صاحب موسى الذي سأل السبیل إلى لقیه، فھل سمعت من رسول الله فیه شیئاً؟ قال: نعم، وذكر الحديث. وقد تقصینا طرق ھذا الحديث وألفاظه في تفسیر سورة الكھف ولله الحمد. وقوله: {وأما الجدارُ فَكَانَ لِغُلامَیْنِ يَتِیمَیْنِ فِي الْمَدِينَةِ}. قال السھیلي: وھما أصرم وصريم ابنا كاشح {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَھُمَا} قیل كان ذھباً، قاله عكرمة. وقیل علماً، قاله ابن عباس. والأشبه أنه كان لوحاً من ذھب مكتوباً فیه علم. قال البزار: حدثنا إبراھیم بن سعید الجوھري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله الیحصبي عن عیاش بن عباس الغساني عن ابن حجیرة، عن أبي ذر رفعه قال: "إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من الذھب مصمت مكتوب فیه: عجبت لمن أيقن بالقدر كیف نصب! وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك؟ وعجبت لمن ذكر الموت كیف غفل؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله".وھكذا روى عن الحسن البصري وعمر مولى غفرة وجعفر الصادق نحوھذا. وقوله: {وَكَانَ أَبُوھُمَا صَالِحاً}، قیل إنه كان الأب السابع وقیل العاشر. وعلى كل تقدير: فیه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته والله المستعان. وقوله: {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } دلیل على أنه كان نبیاً، وأنه ما فعل شیئاً من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فھو نبي وقیل رسول وقیل لي وأغرب من ھذا من قال إنه كان ملكاً. قلت وقد أغرب جداً من قال ھو ابن فرعون، وقیل إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنیا ألف سنة. قال ابن جرير: والذي علیه جمھور أھل الكتاب أنه كان في زمن "أفريدون" ويقال إنه كان على مقدمة ذي القرنین، الذي قیل أنه كان أفريدون، وذو الفرس ھو الذي كان في زمن الخلیل. وزعموا أنه شرب من ماء الحیاة فخلدَ وھو باق إلى الآن. وقیل إنه من ولد بعض من آمن بإبراھیم، وھاجر معه من أرض بابل. وقیل اسمه ملكان، وقیل أرمیا بن حلقیا، وقیل كان نبیاً في زمن سباسب بن بھراسب. قال ابن جرير: وقد كان بین أفريدون وبین سباسب دھور طويلة لا يجھلھا أحد من أھل العلم بالأنساب قال ابن جرير: والصحیح أنه كان في زمن أفريدون، واستمر حیاً إلى أن أدركه موسى علیه السلام. وكانت نبوة موسى في زمن "منوشھر" الذي ھو من ولد أبرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس، وكان إلیه الملك بعد جده أفريدون لعھد وكان عادلاً. وھو أول من خندق الخنادق، وأول من جعل في كل قرية دھقاناً، وكانت مدة ملكه قريباً من مائة وخمسین سنة. ويقال إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراھیم. وقد ذكر عنه من الخطب الحسان والكلم البلیغ النافع الفصیح ما يبھر العقل، ويحیر السامع، وھذا يدل على أنه من سلالة الخلیل. والله أعلم.وقد قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِیثَاقَ النَّبِیِّینَ لَمَا آتَیْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍوَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْوَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْھَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْالشَّاھِدِينَ}.فأخذ الله میثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء من بعده من الأنبیاء وينصره واستلزم ذلك الإيمان وأخذ المیثاق لمحمد صلى الله علیه وسلم لأنه خاتم الأنبیاء فحق على كل نبي أدركه أن يؤمن به وينصره فلو كان الخضر حیاً في زمانه، لما وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقیام بنصره، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر، كما كان تحتھا جبريل وسادات من الملائكة. وقصارى الخضر علیه السلام أن يكون نبیاً، وھو الحق، أو رسولاً كما قیل، أو ملكاً فیما ذكر. وأياً ما كان فجبريل رئیس الملائكة، وموسى أشرف من الخضر، ولو كان حیاً لوجب علیه الإيمان بمحمد ونصرته، فكیف إن كان الخضر ولیاً كما يقوله طوائف كثیرون؟ فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأحرى. ولم ينقل في حديث حسن بل ولا ضعیف يعتمد أنه جاء يوماً واحداً إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم، ولا أجتمع به، وما ذكر من حديث التعزية فیه، وإن كان الحاكم قد رواه، فإسناده ضعیف، والله أعلم وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد ھذا.